سهيلة عبد الباعث الترجمان
1
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
المقدّمة بلغت الحضارة المادية المعاصرة مبلغا كبيرا من التقدم لم نشهد له مثيلا في أي عصر آخر ، بحيث خضعت حياة الأفراد والجماعات لقيمها ومعاييرها التي تقيّم كل شيء بمعيار المنفعة . وقد رافق هذا التقدم المادي تطوّر في الحياة الفكرية والعلمية في مختلف الميادين ، بحيث غدا الإنسان العصري وكأنه محصّلة هذا التطور ونتاج الفكر والعلم فيه . على أنه مهما اتّسع نطاق هذا التطور وبعدت آفاقه ، ومهما أفاد منه المجتمع ، فإنه لا يغني الإنسان عن ذلك الجانب الخفيّ الكامن في داخله ، والذي لا يقلّ شأنا عن الجانب المادي . ولا أدنى روعة ، ولا أقلّ نفعا عن التطور العلمي ، ذلك الجانب هو الجانب الروحي الذي ينطوي على معاني الحق والخير والجمال ، تلك المعاني السامية التي طالما سعى الإنسان ليحيا في ظلها حياة كريمة متزنة ، ليسمو بالنفس إلى المقامات العليا ، مجردة عن شوائب المادة وأدرانها ، مزهوة بنقائها ، متعلقة بالمقامات الخلقية ، متعرضة في معراجها الروحي للنفحات الإلهية ، تلك هي الحياة التي صورتها ودعت لها الأديان ، وكان يحياها السلف الصالح من الأنبياء والزهّاد والعبّاد والصوفية الذين ظهروا في حقبات متباينة في التاريخ ، وكان لظهورهم أبعد الأثر في التّسامي بالإنسانية عن حضيض المادة ، والصعود بها إلى عالم الروح . وقد تجلّت هذه الصورة أوّل ما تجلّت في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومن تبعه من الصحابة والتابعين . ومن بعدهم في حياة الزهاد والمتصوفين . فحياتهم قوامها تزكية النفس وتنقية القلب وتخلية الروح من كل أمر مادي ، ودعامتها النظر إلى الكون بعين الوحدة التي لا تفرقة فيها ، وغايتها المعرفة اليقينية والسعادة الحقيقية ، حياة جديرة بأن يقتدى بها ، وتعتنق مثلها قولا وعملا ، بعيدا عن كل أثر مادي تضيع فيه المثل الروحية والقيم الخلقية . وأكبر الظن أن الإنسانية الآن بأمسّ الحاجة إلى مثل هذه الحياة الروحية وقيمها ومعاييرها ومثلها عن أي وقت مضى ، وذلك لما نراه من تكالب الأفراد والجماعات على الترف الحسّي ، والإمعان في شهوة الغلبة والسيطرة .